في سلسلة من المقالات الدقيقة والمبنية على بحوث معمّقة، يقدم الكاتب والباحث جوشوا كريز تصويرا صارخا لحالة التدهور السياسي والمؤسسي في جنوب السودان. وتجبرنا كتاباته، نحن المواطنين وصناع القرار والشركاء الدوليون، على مواجهة حقيقة غير مريحة:
جنوب السودان لا يمر بمجرد مرحلة انتقالية صعبة، بل هو يتعرض لتفكك بطيء قد يصبح غير قابل للإصلاح إذا لم نغيّر المسار. تتحدى كتابات كريز العديد من الافتراضات التي شكّلت نقاشنا الوطني منذ توقيع اتفاقية إحياء حل النزاع في جمهورية جنوب السودان (R-ARCSS). فالاتفاقية التي كان من المفترض أن تُدخل البلاد في عهد من الوحدة والإصلاح المؤسسي والسلام، أصبحت، بحسب كريز، أداة تستخدمها الحكومة المركزية في جوبا لتركيز السلطة، وتهميش المعارضة، والتخلي بصمت عن التزامات إصلاح قطاع الأمن والحكم الشامل. في حين استمرت الأسرة الدولية في دعم هذه العملية، على أمل تحقيق تقدم تدريجي، فإن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة.
الجهات المسلحة تعمل دون محاسبة في عدة ولايات، والقوى الإقليمية تتدخل بشكل متزايد في الشؤون الداخلية، ليس دعماً للاستقرار، بل سعيا وراء مصالح اقتصادية. مجتمعات بأكملها، خصوصا في أعالي النيل وغرب الاستوائية وغرب بحر الغزال، شهدت تدهورا أمنيا رغم وجود اتفاقيات سلام ومهام دولية. يصف كريز كيف أن السكان المحليين، الذين يشعرون بعدم الحماية والتجاهل، قد لجأوا إلى تشكيل مجموعات دفاع ذاتي من القاعدة، ليست كحركات سياسية، بل كاستجابة ضرورية للإهمال. وفي ظل غياب جيش وطني موثوق وفعّال، تعكس هذه المجموعات هشاشة الدولة، وفي ذات الوقت صلابة المجتمعات. إنها ليست حلا مثاليا، لكنها واقعٌ ملحٌ يجب الانتباه إليه. وربما الأكثر إيلاما في نقده هو ما وجهه للمؤسسات الدولية، خصوصاً بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS)
يشير كريز إلى إخفاقات متكررة في حماية المدنيين في لحظات حاسمة، ما ترك الآلاف عرضة للعنف والنزوح والخسارة. ورغم أن هذه المؤسسات كثيرا ما تقيدها حدود دبلوماسية، فإن تكرار نمط التقاعس، حتى في ظل تهديدات واضحة، يجب أن يُخضع للفحص العلني. فالصمت والحياد والحضور الرمزي لا يمكن أن تحل محل الحماية الفعلية. ومع ذلك، فإن بين سطور هذه الملاحظات يسري تياراً من الأمل. فعمل كريز لا يُعتبر إدانة فحسب، بل دعوة إلى التأمل. إنها دعوة إلينا لنسأل أنفسنا: مؤسساتنا من تخدم؟ من يتحدث باسم الشعب؟ كيف يمكن إعادة تصور السلام بطريقة تتجاوز تفاوض النخب، وتصل إلى من لا يزالون يتحملون عبء الحرب والفقر؟ كمواطنة، لا أدّعي امتلاك كل الأجوبة. لكني أؤمن أن مستقبل جنوب السودان يجب أن يُبنى من القاعدة إلى القمة. يجب أن يشمل أصوات من يعيشون في الريف، في مخيمات النزوح، وفي الشتات. يجب أن يعطي الأولوية لحماية الحياة، واستعادة الكرامة، والمحاسبة على العنف. ويجب أن نتجاوز الوهم القائل بأن السلام يمكن تحقيقه بمجرد الحفاظ على اتفاق لم يعد يعكس واقع الناس.
ولشركائنا الدوليين، آن الأوان لإعادة تقييم الأطر التي تحكم التفاعل مع جنوب السودان. فاستمرار الاستثمار في عملية فقدت شرعيتها قد يرسخ العطب ذاته الذي أرادت حله. ينبغي توجيه الدعم إلى من يبنون السلام فعليًا، من خلال العدالة، والحوار، والقيادة المجتمعية. الطريق أمامنا ليس سهلاً، لكنه لا يزال مفتوحًا. يجب أن نختاره، لا من أجل المكاسب السياسية أو رضا الخارج، بل من أجل أطفالنا، ومجتمعاتنا، والحلم الذي أنجب استقلالنا. لقد رفع جوشوا كريز المرآة أمامنا. ما نفعله بتلك الصورة… يعود إلينا نحن.
الكاتبة/ ليليان ريزق – مواطنة جنوب سودانية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات الرأي التي تُنشر عبر موقع راديو تمازج تعبر عن آراء كُتابها وصحة أي ادعاءات هي مسؤولية الكاتب/ة، وليست راديو تمازج