المساحات الصديقة للطفل بالرنك.. كيف تداوي ريشة الصغار جراح الحرب؟

خلف جدرانٍ من الصفيح الأزرق وسط ضجيج مركز العبور في “الرنك” بجنوب السودان، يتوقف الزمن قليلاً عن ملاحقة الفارين من لهيب الحرب من السودان. هنا، لا تسمع دوي المدافع الذي سكن ذاكرة هؤلاء الصغار، بل تطغى خشخشة أقلام التلوين وصيحات الفرح المسروقة من قلب المأساة.

في هذا الركن الهادئ بشمال ولاية أعالي النيل، لم تعد الألوان مجرد لهوٍ للصغار، بل باتت جسراً يعبرون فوقه من هول الصدمة إلى بر الأمان، حيث تتحول ورقة الرسم إلى ملاذ، وكرة القدم إلى وسيلة لاستعادة حياةٍ بترتها نيران الحرب في السودان.

ومع تمدد القتال في المدن والبلدات، تحولت المدارس إلى أنقاض، وانهارت الخدمات الأساسية، لتجد العائلات نفسها مجبرة على الفرار سيراً على الأقدام أو في حافلات مكتظة نحو المجهول. وحين يصل هؤلاء الأطفال إلى الرنك، يصلون محملين بالإرهاق والصدمات، وبعضهم قطع المسافات وحيداً دون عائلته.

وسط ضجيج مركز العبور وازدحامه، يبرز مكان واحد يختلف عن البقية.

خلف جدران مبنى متواضع من الصفيح المطلي باللون الأزرق، تقع “المساحة الصديقة للطفل” في الخارج، يمتد ملعب واسع يمنح الصبية حرية الركض وركل كرة القدم؛ وهو مشهد نادر في مكان محكوم بساعات الانتظار الطويلة.

أما في الداخل، فتتغير الأجواء تماماً. تغطي الجدران رسومات ملونة رسمتها أنامل الأطفال: بيوت، أنهار، حيوانات، وأشخاص. تبرز من بينها رسمة لسيارة تابعة لمنظمة “إنقاذ الطفولة”، وأخرى لمقدم رعاية يبتسم. هنا، تكسر ضحكات الصغار وأصوات غنائهم صمت المعاناة، وتطغى حشرجة أقلام التلوين على ضجيج المركز.

تقول نياقوا تغبان، مسؤولة الدعم النفسي والاجتماعي في منظمة إنقاذ الطفولة: “يصل هؤلاء الأطفال وهم في حالة صدمة. بعضهم يفقد القدرة على التواصل أو التفاعل في البداية، لكن هذا المكان يساعدهم على الانفتاح تدريجياً”.

ساندي استيفن، ابنة السبعة عشر ربيعاً، فرت من السودان مطلع هذا العام بعد اشتداد القتال قرب منزلها. تروي رحلتها قائلة: “لم يكن الطريق آمناً.. كنا نتحرك ثم نتوقف بسبب الرصاص الذي لا نعرف مصدره، وبمشيئة الله، وصلنا إلى هنا”.

استغرقت رحلتها خمسة أيام، رأت خلالها أطفالاً يبيتون في العراء بلا طعام، وتقول بمرارة: “أن تترك مدرستك وأصدقاءك وتجد نفسك فجأة في بلد آخر.. هذا أمر قاسٍ. عندما تجلس وحيداً، تداهمك الكثير من الأفكار”.

تعتمد المساحة الصديقة للطفل على أنشطة مصممة خصيصاً للتفريغ الانفعالي، عبر الغناء، والرقص، والحكي، والرسم؛ حيث يشجع الموظفون الأطفال على التعبير عما يعجزون عن قوله.

توضح نياقوا: “قد تجد طفلاً لا يستطيع إخبارك بما يمر به، لكنك تراه بوضوح في رسوماته، فالفن يساعدهم على تحرير الصدمات”.

بالإضافة إلى الدعم النفسي، تحول المكان إلى “فصل دراسي مؤقت”. في ظل غياب المدارس الرسمية بالمركز، يتعلم الأطفال الحروف والأرقام ومبادئ اللغة الإنجليزية.

تقول الطفلة جيما أشيل (10 سنوات): “آتي إلى هنا للعب اللودو وكرة القدم، وللدراسة أيضاً، كلما جئت إلى هنا، أشعر بالسعادة”.

وعلى مقربة من المكان، يركض الطفل سبت جمعة (8 سنوات) نحو ملعب كرة القدم الخارجي بابتسامة تملأ وجهه، ويقول: “أحب لعب كرة القدم، والورق، واللودو.. شكراً لمنظمة إنقاذ الطفولة، الآن أصبح بإمكاني اللعب مجدداً”.

أما قائيل محمد عبد الله (14 عاماً)، التي فرت من السودان مع والدتها بعد أن استحال العيش في حيهما، فتجلس داخل المركز وهي منهمكة في تلوين رسومات للأنهار والطيور والبيوت؛ وهي مشاهد استحضرتها من حياةٍ وادعة قطعتها نيران الحرب.

تقول: “لقد تعلمتُ الإنجليزية هنا”، ثم بدأت بتعداد الكلمات التي تعرفها الآن “أم، أب، نافذة، كرسي” وتضيف “1، 2، 3، 10.. لم أكن أعرف كيف أعد بالإنجليزية من قبل”. ويقول الموظفون إن مثل هذا التقدم أمر حيوي للأطفال الذين انقطع تعليمهم فجأة بسبب الحرب.

رغم الأمل الذي يبثه هذا المكان، إلا أن الضغط يزداد يومياً مع استمرار تدفق النازحين. تشير الميسرة المجتمعية ليلى أجدان إلى أن الإمكانيات المتاحة لا تكفي الجميع، قائلة: “نحن موظفان فقط هنا. نحتاج إلى المزيد من الأدوات، والسبورات، والوسائل التعليمية لنتمكن من خدمة عدد أكبر من الأطفال”.

وتحذر نياقوا من أن نقص التمويل يحد من التوسع في مناطق أخرى مثل مستوطنة “أبو خضرة”، مؤكدة أن “هؤلاء الأطفال لا يزالون متأثرين بالحرب، ولا يزالون بحاجة إلى الدعم”.

في قلب مركز عبور محكوم بالقلق والفقد، يظل هذا المبنى الأزرق الصغير وملعبه الواسع بمثابة “جزيرة من الطبيعية” في بحر من الفوضى؛ مكانٌ يعيد للأطفال ضحكاتهم المسلوبة، ويبدأ فيه مشوار التعافي الطويل.