أصدر الجيش في جنوب السودان أمر إخلاء ثانياً وأكثر صرامة للمدنيين المقيمين في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية في المعارضة بولاية جونقلي، محذراً من قرب عملية عسكرية واسعة النطاق.
وفي بيان صحفي يوم 25 يناير، قال المتحدث باسم قوات دفاع شعب جنوب السودان، اللواء لول رواي كونق، إن قائد الجيش أمر المدنيين في مقاطعات “لو نوير” الثلاث (نيرول، وأورور، وأكوبو) بـ “الإخلاء الفوري” حفاظاً على سلامتهم، والتوجه إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في غضون 48 ساعة.
وتخضع المقاطعات الثلاث لسيطرة الجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة، بقيادة النائب الأول للرئيس رياك مشار، الذي يخضع للإقامة الجبرية بجوبا ويواجه محاكمة. وحذر الأمر من أن حملة عسكرية أُطلق عليها اسم “عملية السلام الدائم” ستبدأ قريباً.
وقد تصاعد القتال بين القوات الموالية للرئيس سلفاكير والجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة، الذي يقوده الآن أويت ناثانيل (نائب مشار)، منذ ديسمبر الماضي، لا سيما في شمال جونقلي. واستولت قوات المعارضة على عدة مواقع تابعة للجيش الحكومي، بما في ذلك حاميات في “وات” و”يواى” و”فاجوت”، مما دفع الجيش لحشد قوات إضافية والتقدم شمالاً لاستعادة تلك المناطق.
ويعد هذا التوجيه هو ثاني أمر إخلاء يصدر في أقل من شهر؛ حيث حث أمر سابق في 30 ديسمبر المدنيين على مغادرة مناطق المعارضة لـ “تجنب وتقليل الأضرار الجانبية”، وتبع ذلك هجمات جوية استهدفت عدة مواقع، منها بلدة “لانقكين”، وأسفرت عن مقتل 11 شخصاً على الأقل.
لكن الأمر الجديد ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تضمن تحذيرات صريحة للمدنيين المسلحين والمنظمات الإنسانية؛ إذ طُلب من المدنيين تسليم أسلحتهم لأقرب حامية للجيش الحكومي إذا لم يعتزموا القتال، مع التحذير بأن من يوجد منهم بالقرب من منشآت المعارضة سيُعتبر “هدفاً عسكرياً مشروعاً”.
ووُجهت نداءات للشباب غير المنتمين لمليشيا “الجيش الأبيض” بنقل عائلاتهم وماشيتهم خارج مناطق النزاع، كما أُمهلت المنظمات غير الحكومية 48 ساعة لمغادرة المقاطعات الثلاث.
تزامن أمر الإخلاء مع تصاعد القلق من خطاب تحريضي لقادة عسكريين كبار؛ فقد صرح الجنرال جونسون أولونج، مساعد رئيس هيئة الأركان والمقرب من الحكومة، لمقاتليه في جونقلي بـ “عدم إظهار أي رحمة”، قائلاً: “عندما نصل إلى هناك، لا تستبقوا مسناً، ولا دجاجة، ولا منزلاً.. نحن ندافع عن الوطن ولا نحارب من أجل الرواتب”.
من جانبها، أعربت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان عن “قلقها البالغ” إزاء هذه التصريحات، واصفة الخطاب الداعي للعنف العشوائي بـ “المقزز تماماً”. كما حذرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن هذا التحشيد العسكري المقترن باللغة التحريضية قد يؤدي إلى فظائع جماعية وعنف عرقي.
ويرى محللون سياسيون أن هذا التصعيد العسكري يأتي في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات ديسمبر 2026، وسط أزمة اقتصادية طاحنة وعملية سلام هشة.
وحذر خبراء من أن تكثيف القتال قد يحول الأولويات السياسية من الإصلاحات المدنية إلى “الحسابات العسكرية والبقاء”. كما حذر مراقبون من أن الانسحاب القسري لوكالات الإغاثة سيترك المدنيين محاصرين دون حماية أو مساعدة في منطقة تعاني أصلاً من انعدام الأمن الغذائي والفيضانات والنزوح.



