عندما تصبح “ظلال الأشجار” فصولاً دراسية، ومعلموها “متطوعين” بلا أجر في مقاطعة موروبو بجنوب السودان، لا يحتاج التلاميذ لقرع أجراس المدارس؛ فمعظم جدران فصولهم سُويت بالأرض، وما تبقى منها صار أطلالاً تسكنها رياح النزوح.
هنا، في قلب ولاية الاستوائية الوسطى، يصارع النظام التعليمي للبقاء على قيد الحياة تحت وطأة ثالوث مرير: الأمن المفقود، الرواتب الغائبة، والبنية التحتية المحطمة.
يروي موسى واني فريزر، مدير التعليم بالمقاطعة، قصة إدارة تعليمية “مشلولة”؛ حيث يجد نفسه مع نائبه فقط في مواجهة أعباء 22 مدرسة. يقول واني لـ “راديو تمازج” بنبرة يملؤها العجز: “كيف يمكن لشخصين فقط إدارة مستقبل آلاف الطلاب؟ لقد خسرنا القوة البشرية، وما تبقى من معلمين يعملون كمتطوعين؛ لأن أسماءهم ببساطة سقطت من كشوف الرواتب الحكومية”.
لم تكتفِ الحرب بتدمير المباني منذ عام 2016، بل لا تزال تلاحق الأطفال في استقرارهم؛ فبسبب الاضطرابات الأمنية المستمرة، تحول التعليم إلى “رفاهية” لا يملكها النازحون. ويضيف مسؤول التعليم أن أغلب المدارس الـ 21 (الابتدائية والثانوية الوحيدة) تعمل تحت الأشجار بعد تعرض مبانيها للتخريب، بينما ينتظر المعلمون مستحقات عام 2024 في مطلع عام 2026، مما دفع بالكفاءات للهروب من المهنة.
ويذكر واني أن أولياء الأمور النازحين عاجزون حتى عن توفير “كراسات” الأساسية، مما يضطر الطالب للذهاب إلى المدرسة بلا قلم أو كراسة.
كما تحدث عن الوعود الحكومية التي لم تبارح مكانها قائلاً: “وُعدنا بمركبات لتفتيش المدارس البعيدة، لكنها ظلت وعوداً جوفاء”. مؤكداً أن غياب “القدرة على الحركة” جعل الإشراف على ما تبقى من مدارس عملية شبه مستحيلة.
يختتم مدير التعليم صرخته بمناشدة عاجلة: إن إنقاذ التعليم في موروبو لا يبدأ من المناهج، بل من تأمين لقمة عيش المعلم، وتوفير سقف يحمي الأطفال من هجير الشمس، وقلم يكتبون به أحلاماً كادت أن تمحوها الصراعات.



التعليم في جنوب السودان: مشهد متأزم
تأتي أزمة التعليم في مقاطعة موروبو كجزء من مشهد أشمل وأكثر تعقيداً في جنوب السودان، الذي يُصنف ضمن الدول ذات الأنظمة التعليمية الأكثر هشاشة عالمياً. فوفقاً لتقارير المنظمات الدولية لعام 2025/2026، يواجه القطاع تحديات وجودية تتجاوز مجرد نقص الإمكانيات:
تشير إحصائيات اليونيسف إلى أن أكثر من 2.8 مليون طفل في جنوب السودان خارج مقاعد الدراسة، وهي نسبة تقترب من 70% من إجمالي الأطفال في سن التعليم.
رغم اعتماد ميزانية وطنية للسنة المالية المنتهية، لا يزال قطاع التعليم يعاني من فجوة تمويلية هائلة. ويُعد التأخير المزمن في صرف الرواتب —الذي يتجاوز أحياناً عاماً كاملاً— السبب الرئيسي في هجرة الكفاءات وتحول المدارس للاعتماد على متطوعين غير مؤهلين.
لم تكتفِ النزاعات المسلحة بتدمير قرابة 40% من البنية التحتية للمدارس منذ 2016، بل زادت الفيضانات المتكررة في العامين الأخيرين من تعقيد المشهد، حيث تسببت في إغلاق مئات المدارس وتحويلها إلى مراكز إيواء للنازحين.
يعتمد نظام التعليم بشكل شبه كلي على الدعم الخارجي؛ حيث تقود “الشراكة العالمية من أجل التعليم” (GPE) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) جهوداً مضنية لتوفير الوجبات المدرسية والحد الأدنى من المستلزمات.
تُسلط حالة موروبو الضوء على الفجوة العميقة بين الخطط الحكومية والواقع الميداني، حيث تظل “الوعود” والاضطرابات الأمنية العائق الأكبر أمام وصول التعليم إلى المناطق الريفية والحدودية.



